يفتتح الكاتب أحمد بكر مقاله بالإشارة إلى إفراج وزارة العدل الأميركية عن أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من وثائق التحقيق في قضية جيفري إبستين، في أكبر عملية كشف لمستندات تتعلق بالقضية منذ سنوات. أعادت هذه الخطوة إشعال النقاش العالمي حول جرائم الاتجار الجنسي بالقاصرات التي ارتكبها المموّل الأميركي، وحول شبكة علاقاته الواسعة التي ضمّت رؤساء حاليين وسابقين، ومسؤولين سياسيين، ورجال أعمال، ومثقفين من مختلف أنحاء العالم.
انصبّ جانب كبير من النقاش العام حول هذه البيانات وطريقة الإفراج عنها على قدرتها المحتملة على كشف الشبكة الواسعة من أصحاب النفوذ الذين قد يكون لهم صلة بجرائم إبستين الجنسية. لكن ما تكشفه الوثائق بوضوح أكبر هو أن هذه الشبكة الضخمة من المحادثات نفسها مكّنت إبستين من بناء قدر كبير من القوة الشخصية، وجعلته قادرًا على جذب لاعبين جدد من مختلف المستويات، ودفعهم إلى السعي للارتباط به، ومشاركة تصوراتهم ورؤيتهم للعالم معه، وذلك حتى بعد إدانته الأولى عام 2008 في قضية استدراج قاصر لممارسة الدعارة، وهي قضية بدأ التحقيق فيها منذ عام 2005 على الأقل.
يوضح المقال، كما نشره موقع مدى مصر، أن الوثائق لا تكشف بالضرورة حجم التأثير السياسي المباشر لإبستين على القرارات العالمية، لكنها تكشف بوضوح قدرته الاستثنائية على بناء شبكة علاقات قائمة على المحادثة المستمرة، واستخدام التواصل كأداة لتراكم النفوذ الاجتماعي والسياسي، حتى بعد سقوطه الأخلاقي والقانوني.
المحادثة كمدخل إلى السلطة
تكشف الوثائق أن كلمة «محادثة» تتكرر أكثر من 112 ألف مرة داخل المواد المنشورة، بما في ذلك ورقة أكاديمية مرفقة عن مفهوم المحادثة ذاته. تظهر الرسائل المتبادلة أن كثيرين لجأوا إلى إبستين طلبًا للنصيحة حول كيفية بدء حوار مع طرف ثالث، أو شكرًا على محادثات وصفوها بالمثمرة، أو لطلب ترتيب لقاءات جديدة داخل شبكته الواسعة.
تضم هذه الشبكة رؤساء أميركيين مثل دونالد ترامب وبيل كلينتون، وأفرادًا من العائلات المالكة الأوروبية، وشخصيات سياسية إسرائيلية، ومليارديرات في عالم التكنولوجيا، ونجومًا من هوليوود، إضافة إلى أكاديميين بارزين. تتنوع موضوعات المراسلات بين السياسة العالمية، والمشاريع الاقتصادية، والمقالات الصحفية، ووصفات الطعام، والنكات، ما يعكس حضور إبستين كوسيط اجتماعي لا غنى عنه داخل دوائر النفوذ.
مصر داخل شبكة العلاقات
ضمن هذه الشبكة، برزت أسماء مصرية، من بينها وزير الخارجية المصري الأسبق والأمين العام السابق لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، والناشط المصري السابق وائل غنيم، حيث وردت أسماؤهم ضمن قائمة طويلة من الشخصيات التي دعاها إبستين إلى عشاءات خاصة. يورد المقال هذه الإشارات باعتبارها جزءًا من اتساع الدائرة التي نجح إبستين في بنائها، دون توجيه اتهامات مباشرة، لكن مع لفت الانتباه إلى طبيعة هذا الانفتاح العابر للحدود.
كما تُظهر الوثائق أن الدبلوماسي النرويجي تيري رود-لارسن، أحد مهندسي اتفاقيات أوسلو، نقل إلى إبستين التماسات تطلب المساعدة من خديجة الجمال، زوجة جمال مبارك، وذلك خلال محاكمة زوجها ووالده عام 2011. تكشف هذه المراسلات حجم الثقة التي منحت لإبستين باعتباره قناة غير رسمية للوصول إلى مراكز نفوذ، حتى في قضايا شديدة الحساسية.
وتشير الرسائل كذلك إلى مناقشات تناولت تطورات سياسية واقتصادية تخص مصر والمنطقة، ما يعزز صورة إبستين كحلقة وصل غير معلنة بين عواصم القرار.
علاقات إقليمية متشابكة
يتوقف المقال عند علاقة إبستين برجل الأعمال الإماراتي سلطان بن سليم، الرئيس التنفيذي لشركة موانئ دبي العالمية، التي تصفها المراسلات بأنها صداقة طويلة امتدت لسنوات. شملت هذه العلاقة تبادلًا مكثفًا للرسائل حول مشروعات اقتصادية، وتحليلات سياسية إقليمية، وحتى تفاصيل شخصية، ما يبرز الدور الذي لعبه إبستين في توسيع شبكات العلاقات وربطها بفاعلين جدد.
كما يتناول المقال علاقة إبستين برئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، كاشفًا عن تبادل للنصائح في قضايا اقتصادية واستراتيجية، إلى جانب تواصل شخصي اعتيادي. تغذّي هذه العلاقة تكهنات قديمة حول أدوار غير معلنة، لكن الكاتب يؤكد أن الوثائق لا تقدّم أدلة حاسمة على تورط سياسي مباشر.
ما تكشفه الوثائق وما تخفيه
يحذّر المقال من الانجراف وراء نظريات المؤامرة التي تصوّر إبستين مهندسًا خفيًا للسياسة العالمية. فحجم الوثائق الهائل، وتشابك الرسائل، وكثرة الأسماء المحجوبة، يجعل من الصعب رسم صورة دقيقة لتأثيره الفعلي على القرارات الكبرى. ما توضحه الوثائق بشكل أكثر صلابة هو صورة رجل أتقن استخدام العلاقات الشخصية والمحادثات لبناء نفوذ متراكم، استمر حتى بعد إدانته في قضية أخلاقية جسيمة.
في الخلاصة، يخلص المقال إلى أن قوة إبستين لم تنبع من المال وحده، بل من قدرته على إدارة المحادثة، وبناء الثقة، وربط الأشخاص ببعضهم البعض. تكشف الوثائق أن السلطة قد تبدأ بحوار، ثم تتحول إلى شبكة، ثم إلى نفوذ يصعب تجاهله، حتى عندما تحيط به الفضائح والاتهامات.
https://www.madamasr.com/en/2026/02/02/feature/politics/how-to-make-friends-by-jeffrey-epstein/

